دور الإعلام في الحد من النشاط الإجرامي
لم يعد الإعلام مجرّد أداة لنقل الأخبار، أو مجرّد وسيلة فعّالة للتواصل بين البشر، بل تحوّل إلى موضوع بحث ودراسة، تهتم به العديد من العلوم الاجتماعية والإنسانية مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاتصال والتواصل، وعلم الإجرام…
ومع تطوّر الدراسات والأبحاث المتعلّقة بوسائل الإعلام والمؤسسات الإعلامية تم تأسيس العديد من التخصّصات العلمية، فمن علم النفس تأسّس علم النفس الإعلامي، ومن علم الإجرام تأسّس علم الإعلام الإجرامي أو القضائي، ومن علم الاجتماع تأسّس علم الاجتماع الإعلامي… وفي هذا الإطار تندرج هذة المقالة والمتعلّقة بعلم الإعلام الإجرامي، والتي سنتنناول فيها ما يلي:
أوّلا؛ تأثيرات وسائل الإعلام على الجمهور المرسل له الرسائل الإعلاميّة.
ثانيا؛ الروابط التي تربط وسائل الإعلام و الظواهر الإجراميّة، مستعينين في ذلك ببعض الدراسات العلميّة ونتائج البحوث الميدانيّة.
فماذا نعني بمفهوم الإعلام بصفة عامّة، والإعلام القضائي أو الإجرامي بصفة خاصّة؟
وهل يساهم الإعلام القضائي في الحدّ من نسب انتشار الجريمة أم العكس؟
وكيف يتفاعل الاعلام مع الجرائم التي تقع والتي تأخذ متسعا من الرأي العام الأردني؟
أولا: المحور الأول، إشكالية الإعلام وعلاقته بالظواهر الإجراميّة:
- مفهوم الإعلام:
مرّ مفهوم الإعلام بالعديد من التطوّرات، إذ لم نكن نجد في البداية أيّ تمييز بين الإعلام والصحافة، كما أنّ المفهوم القديم ربطهما بمفهوم الاتصال المباشر، حيث عرّف الباحث الفرنسي “بيار ألبير” الإعلام أو الصحافة بأنّه: “ما اتّفق عليه المختصّون من أنّه التواصل أو الاتصال بين الأفراد والجماعات منذ القدم وذلك عبر طرق عفويّة وبدائيّة تعتمد الاتصال الشخصي والمباشر” حيث كان الفضاء الإعلامي عبارة عن أماكن التجمعات البشريّة كالأسواق الشعبية والمساجد والدكانين وأماكن التجمعات العائلية وغيرها.
أمّا الصحافة المكتوبة في مفهومها المعاصر، فقد أخذت بعدا مغايرا للمفهوم القديم وأصبحت الصحافة فرعا من فروع الإعلام ولا يقتصر على الاتّصال المباشر، بل اعتبره المختصون فنّا يتميّز بالحركية والنموّ، وبالتالي يصعب تحديد مفهوم الصحافة المكتوبة، فهي: “تبقى حيويّة ونامية ومتطوّرة” أو هي “فنّ رواية الأخبار ونشرها على الناس” على حدّ تعبير أحد الكتّاب بذلك.
ولعلّ أهم تعريف يمكن الاستعانة به في هذا المقام، هو ما قدّمه لنا الكاتب “أديب مرّة”، وخاصة في كتابه “الصحافة العربيّة نشأتها وتطوّها”، حيث عدّ الصحافة “فنّ تأريخ وقائع الحياة اليوميّة وعرضها كما هي والتعليق على الأحداث بروح علميّة واقعيّة بحتة”، ومع التطوّرات التي عرفها قطاع الصحافة في السنوات الأخيرة وانتشارها بين مختلف الشرائح الاجتماعيّة، وهيمنة الإشهار والتسويق، وارتباطها بالعديد من المؤسسات الاقتصاديّة كالطباعة والإعلاميّة وشركات الخدمات و… أصبح عدّة مهتمين بهذا القطاع يرون أنّ مؤسسة الصحافة تحوّلت هي الأخرى إلى صناعة على شاكلة المؤسسات الصناعيّة والاقتصاديّة، بل أصبح الكسب المادّي والبعد الربحيّ من أهمّ ما يميّز الصحافة.. ففي محاضرة ألقاها الدكتور رياض طه (بالقاهرة) أشار إلى ذلك بقوله “الصحافة ليست رسالة أو أداة خدمة عامة فحسب، وإنّما هي كذلك صناعة وتجارة، إنّها مؤسسات ترتبط بمصيرها ألوف الأسر وتشكّل فعاليّة اقتصاديّة وإنتاجا وطنيّا”.و كما قال “إذن تحوّلت الصحافة الحديثة تدريجيّا إلى صناعة متكاملة الحلقات فيها خسارة وفيها الربح، وفيها علاقات تجاريّة وماليّة متشابكة مع البنك ومصنع الورق ومصنع الحبر وشركة النقل وشركة التوزيع. ويتّفق أصحاب المؤسسات الصحفيّة على وجوب الموازنة بين الإيرادات والمصروفات وعلى ضرورة المنافسة في الخدمة الإعلاميّة وسعة التوزيع والانتشار”.
أمّا المقاربة السوسيولوجيّة لوسائل الإعلام فإنّها تعتبرها “ظاهرة اجتماعيّة يمكنها أن تؤثّر في الظواهر الأخرى، كما يمكنها أن تتأثر بهذه الظواهر. ونرى أيضا أنّ علم الاجتماع الإعلامي هو: “العلم الذي يدرس وسائل الإعلام كظاهرة اجتماعيّة، دراسة وصفيّة، أي دراسة الواقع الفعلي لهذه الوسائل، أو بأسلوب آخر، دراسة ما هو كائن وليس ما ينبغي أن يكون.”
ثانيا : الإعلام القضائي:
أمّا الإعلام القضائي فهو الإعلام الذي يتّخذ من الجريمة مادة إخبارية له، فيحاول الصحفي من خلالها تعقّب الجرائم والإجراءات القضائيّة المتّصلة بها، أو كما يعرّفه الأستاذ إبراهيم إمام في كتابه “فنّ العلاقات العامة” بكونه: “محاولة من الأجهزة الإعلاميّة لتعقّب كوارث المجتمع ووصفها وصفا حقيقيّا للقارئ ملتزمة بآداب اللياقة واحترام شخصيّة المتّهم والضحيّة وهي مهمّة لن يؤدّيها غير الرجال المختصين في الإعلام والعلاقات العامة”، ذلك أنّنا نجد أن أجهزة الإعلام “تتعقّب الجرائم والكوارث لتصفها وصفا مثيرا وتتحرّى الفضائح لتسرف في تصويرها بتفاصيلها مهما جانبت آداب اللياقة… أي تهتمّ بالجانب السلبي من الحياة. ولكن وظيفة الإعلام هي عرض الجوانب الإيجابيّة أيضا”
ثالثا: تأثير وسائل الإعلام على الجمهور:
مثّلت وسائل الإعلام أحد المواضيع الأساسيّة التي تناولها علماء الاجتماع، وخاصة في الأربعينات من القرن الماضي. ونقصد بذلك “سوسيولوجيا وسائل الاتصال الجماهيري”، كفرع من فروع علم الاجتماع والقائمة على نموذج وضعه عالم الاجتماع الأمريكي هارولد لازويل Harold Lasswell، ويقوم هذا النموذج على الإجابة على خمسة تساؤلات وهي:
من؟ Who
يقول ماذا؟ Says What
الكيفية ؟ In Wich channel
لمن؟ To Whom
وما التأثير؟ With What effect
حيث نلاحظ من خلال هذه التساؤلات الخمسة أن “لازويل” حاول من خلالها الإحاطة بكل ما يمكن أن تتضمّنه الرسالة الإعلامية.
ثم في سنة 1976 حاول “روبرت إسكاربيت” إعادة صياغة نموذج “لازويل” من خلال اختزاله في أربعة أسئلة ركّز فيها بشكل أساسي على المتقبّل وهي:
من؟
يستقبل ماذا؟
في أي جماعة؟
بغية أي تأثير؟
وما تجدر ملاحظته في هذا السياق هو أنّ كل النماذج العلميّة والسوسيولوجيّة، سواء كان نموذج لازويل، أو نموذج إسكريبت، أو نموذج عالمة الاجتماع الفرنسيّة آن مارى لولان A.M. Laulan ركّزت على محتوى الرسالة الإعلاميّة أو التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لها على الجمهور المرسل له الرسالة، سواء على مستوى الممارسات اليوميّة أو الرأي العامّ. ونظرا لخطورة تأثيرات وسائل الإعلام على الرأي العامّ، أصبحت وسائل الإعلام موضوع بحث بالنسبة للعديد من الاختصاصات العلميّة، أو المؤسسات التي لها علاقة بالجمهور وبالرأي العام ومن بين هذه المؤسّسات نذكر: المؤسّسة التشريعيّة التي يناط بعهدتها كلّ ما له علاقة بالتشريع، والمؤسسة الأمنيّة المسؤولة على الأمن والاستقرار في البلاد. فنجد مثلا بالعديد من المؤتمرات وخصوصا ما يتعلّق بهذا الموضوع تحديدا أنّ وزراء الداخلية العرب ومدراء الأمن حين يجتمعون يثار موضوع تأثير وسائل الإعلام والثقافة على الرأي العامّ، وكان هناك اتفاق على أنّ لهذه الوسائل أثرها الفعّال في تشكيل القيم والاتجاهات المناهضة للجريمة، والمساعدة على إقرار الأمن. وفي المقابل، هناك اتفاق مماثل على أنّ هذه الوسائل قد تنحرف أحيانا عن القيام بدورها المطلوب، بل تؤدّي إلى تأثير معاكس يشجّع على الانحراف ويغري بارتكاب الجريمة، من خلال ما يعرض بالسينما والتلفزيون أو ما ينشر بالصحف والمجلاّت والمحطات الفضائية والتلفزة بعمومها “
رابعا: كيفيّة مساهمة وسائل الإعلام في انتشار الظاهرة الإجراميّة:
أصبحت قضيّة العلاقة بين وسائل الإعلام والظواهر الإجراميّة مركز اهتمام عديد الباحثين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، واحتلّت صدارة المؤسسات الاجتماعيّة التي تمّ اتهامها بتدعيم للسلوك الانحرافي والإجرامي.
فمثلا، أظهرت بعض الدراسات العلميّة في أسبانيا أنّ 39% من الشبّان المنحرفين تلقّوا معلوماتهم التي استمدّوها في تنفيذ جرائمهم من التلفزيون. وتظهر علاقة وسائل الإعلام بالظواهر الإجراميّة في ثماني نقاط أساسيّة وهي:
1. التعليم:
فمن خلال نشر تفاصيل ارتكاب الجريمة سواء أكانت عبر وسائل الإعلام المكتوبة، في إطار نقل الأحداث والوقائع، أو عبر الأشرطة والأفلام المستوحاة من قصص واقعيّة أو خياليّة.. يمكن للفرد تعلّم “أساليب ارتكاب الجرائم وأنماطها عن طريق ما تنشره من وسائل سرقة السيّارات، وإخفاء معالم ملكيتها، وكيفيّة تزوير الوثائق، ووسائل الغشّ التجاري وغيرها من أساليب الانحرافات السلوكيّة”، بحيث تحوّلت بعض وسائل الإعلام إلى مدرسة جيّدة لإتقان فنون الجريمة.
2. قتل الامتعاض والاستنكار من الجرائم:
إذا كان الامتعاض الاجتماعي على حدّ تعبير “إميل دوركايم من أهمّ الدوافع التي تجعل الفرد ينبذ الجريمة والإجرام، فإنّ كيفيّة نشر خبر الحدث الإجرامي أو جعله ركنا أساسيّا في وسائل الإعلام، يجعل من الممارسات الانحرافية والإجرامية سلوكا عاديّا ينتفي في ارتكابها أيّ نوع من الامتعاض والاستنكار سواء من طرف الشخص الذي يرتكب الجريمة أو بقيّة أفراد المجتمع. أو بلغة أخرى تقتل بعض وسائل الإعلام ما يمكن تسميته بـ “الخاصية الردعيّة”، هذه الخاصية التي كثيرا ما تكون نتائجها أكثر وقعا من العقوبات التأديبيّة.
3. جعل الجريمة مرغوبة:
من بين الانعكاسات المباشرة لوسائل الإعلام على الأطفال والشباب هو جعل المجرم شخصا جذابا من خلال البطولات التي يقوم بها، وذكائه الخارق للعادة، و… بل قد يصير هذا المجرم نموذجا ورمزا في خيال المتقبّل، وتكون الانعكاسات أكثر قوّة عبر ما يعرض من أفلام وأشرطة في التلفاز، خاصة عندما يقوم بدور المجرم نجم من النجوم السينمائيّة المحبوبين لدى الجمهور، ونفس الشيء يحصل في الصحف المكتوبة عندما تصوغ الخبر الإجرامي بأسلوب جذّاب، فـالتوسّع في نشر تلك الأخبار يجعل الجريمة جذّابة والمجرم شخصا خياليّا، وتكون النتيجة أنّ الشباب المراهق يحاول أن يقتفي أثر هؤلاء المجرمين ليكون له نصيب من تقمص لتلك الجريمة…”
4. جعل الحياة اليوميّة للمجرمين جذابة:
تتضمّن العديد من الأشرطة والمسلسلات البوليسيّة تفاصيل عن طرق معيشة المجرمين ومحترفي الإجرام وتسلّط الأضواء على البذخ والتمتّع بملذّات الحياة، وخاصة التمتّع بالسلطة والنفوذ الموازية لسلطة الدولة والقانون، كما هو الحال في بعض الأفلام العربية والأجنبية التي تروي قصّص عصابات مختصة في تجارة الأسلحة والمخدّرات تترأسها إبطال يتميّزون في بالشدّة والعطف،وبعضها تمكّن أفراد العصابة من تهريب البطل ومثلها (فيلم الهانم) حيث تم إنقاذها من القانون حسب الفيلم أثناء ترحيلها إلى السجن، حيث تعيش هذه العصابة في منطقة جبليّة ويحكمها “قانون الهانم” والمقصود به في الشريط قانون السلاح والقوّة، وهو نفس الاسم الذي تحمله رئيسة العصابة، لقد قدّم الشريط صورة جماليّة رائعة لحياة هذه العصابة وتمسّكها بالقيم والمبادئ التي تسير عليها… وطبعا حقّق هذا الشريط نجاحا كبيرا في مصر وفي العالم العربي. وتقريبا نفس الصورة نجدها في عدد من الأشرطة السينمائية والمسلسلات، الشيء الذي يجعل المتفرّج يتوق إلى العيش في مثل تلك الظروف. ويقول الدكتور علي بن فايز: “قد يكون من سلبيات إظهار الجرائم، إبراز وتأكيد طرق معيشة المنحرفين، حيث تتسم حياتهم بالبذخ والإسراف، أو قد تظهرهم بالمظهر الذي يدعو إلى الشفقة عليهم نتيجة لحياة التشرّد والبؤس والتعاسة والهروب من العدالة، ممّا يثير شفقة القارئ الذي يتّسم سلوكه بمخالفة الضوابط الاجتماعيّة”. كما تقدّم العديد من الأشرطة والمسلسلات صورا لطرق عيش مختلفة لشخص وأحد مرّ في بدايته بالفقر والحرمان من كلّ شيء، ثم ما أن دخل عالم الإجرام حتّى انقلبت حياته وأصبح يتمتّع بكل ما كان محروما منه، أو بلغة أخرى تحوّلت عديد وسائل الإعلام إلى أداة إشهار لصالح الحياة الإجرامية الانحرافية.
5. التقليد والمحاكاة:
تمثّل ظاهرة تقليد ما يعرض في وسائل الإعلام من أكثر الآثار المباشرة على سلوك أفراد المجتمع وخاصة فئات الأطفال والشباب، حيث يبدأ التقليد عادة باستعمال ألقاب مستوحاة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونيّة، ثم تنتقل بسرعة إلى مستوى الممارسات الفعليّة والتي تتجلّى في التقليد والمحاكاة.
أو على حدّ قول عالمة النفس “ليليان لورسا”، في أحدى المقابلات التي أجريت معها بالسؤال “كيف تظهر تلك السيطرة؟ (سيطرة جهاز التلفاز على الأطفال). وكانت إجابتها: “بالفتنة، فنحن نريد أن نكون على الشكل الذي يظهر على الشاشة، فهناك التقليد الإرادي لأبطال التلفزيون، وهناك أيضا التقليد اللاإرادي وخاصة ما يحدث بسبب التشبّع الحسّي- الحركي Perceptivo- Motrice الناتج عن تكرار المواضيع. والتشبّع هو نوع من أنواع التعلّم يتميّز بأنّ الشخص يتعلّم دون أن يدري أنّه يتعلّم وبالتالي دون أن يدري ما يتعلّمه..”وبدليل أننا كثيرا نرى الناس يتداولون أسماء نراها على شاشات التلفاز مثل (بريه عليك أبو عنتر أو الدغري والكثير الكثير …..) .
6. تراجع الأسرة للدور الذي كانت تقوم به:
تلعب الأسرة في العادة دور الوسيط الإيجابي بين الفرد والقيم الاجتماعيّة، إذ تحاول عبر التنشئة الاجتماعيّة خلق نوع من الحصانة التربويّة والتنشئة الاجتماعية والتي تحول بين الطفل وبين الانحراف. كما تقوم أيضا عبر آليات متنوّعة بخلق التوازن النفسي والاجتماعي بين المحيط الخارجي (الروضة، المدرسة، الشارع، الأصدقاء…) وبين ما تطمح له العائلة من وراء السياسة التربوية الأسريّة. بحيث كنّا نتحدّث عن سيادة أسريّة وعن عالم أسري يسيطر عليه ربّ العائلة، ومقابل ذلك نجد عالما خارجيّا يتشابه ويختلف عن نمط العالم الأسري، ولكن ومع دخول جهاز التلفاز والدور الذي أصبح يقوم به، وخاصة سيطرته الكليّة على الأطفال بدأت هذه الأسرة تفقد مكانتها تدريجيّا، وأصبح من غير الممكن الحديث عن عالم أسري وعالم خارجي، فكلّ التأثيرات التي كانت الأسرة تخاف منها وتمارس سلطتها لمنع التأثير بها صار يشاهدها الأطفال والشباب داخل البيت لا خارجه، كما أصبح تأثير التلفاز أكثر فاعليّة من الأسرة، بل حتّى ربّ العائلة ذاته انساق تدريجيّا وراء هذا التيّار. كما أنّ ظاهرة الإدمان على مشاهدة التلفاز لا تقتصر على الفئات الشبابيّة والأطفال، بل وصلت عدواها إلى ربّ الأسرة وبقيّة أفراد العائلة. “إنّ الأطفال اليوم وكما يقول الباحث الألماني “مارتن” ليسوا مشاهدين فقط وإنّما هم شركاء في الأحداث وفي التمثيل. فهم يعيشون مع الحدث ويشاركون فيه. ويتأثّرون بالتجربة تأثيرا واقعيّا حيّا لدرجة أنّ التلفزيون لم يدع للأسرة فرصة للبحث في شؤونها لأنّه بالرغم من وجودهم جميعا في البيت إلاّ أن التلفزيون استحوذ على انتباههم فصرف كلا منهم عن الآخر.”
ويقول أحد العلماء بأنّ الطفل اليوم يصبح يعيش في عالم مصطنع عوضا عن عالم العائلة، “فعندما يصبح التلفزيون هو النافذة الوحيدة على العالم، فإنّه بسبب ظاهرة إدمان تغلق الفرد وسط عالم مصطنع، ولكن هذا الإدمان ما هو إلاّ علامة لمشكلة أكثر عمقا. يقول سيرج تيسرون أخصائي أمراض النفس “لو مال الطفل إلى جانب الصور وقضّى جلّ وقته أمام شاشة التلفزيون فذلك بسبب فشله في الاتصال بالكبار، وعندما يقلّ التفاهم والنقاش داخل البيت فإنّ الطفل يلجأ إلى الصور .
7. فقدان الاستقلاليّة:
تساهم وسائل الإعلام بشكل عامّ وجهاز التلفاز بشكل خاصّ في فقدان استقلاليّة الفرد أو الشخص المتقبّل للرسالة الإعلاميّة، بحيث تحوّل هذا الجهاز إلى مصدر تعليم وتوجيه ومصدر انصياع من قبل المتقبّل، فـ “مع دخول التلفزيون إلى البيوت، أصبح الأطفال خاضعين إلى تأثيرات كثيرة. وعندما يصبح التلفزيون أداة اجتماعيّة، فذلك يعادل ظاهرة على مستوى كبير من فقدان الاستقلاليّة المعروفة في علم النفس المتعلّق بنموّ الطفل في البداية حالة الالتحام مع العائلة، ثم يكبر بعدها ويقول “أنا” ويعارض. وهذا ما يعرف بالتفرّد أو التميّز عن الآخرين، لكنّ التلفزيون يخلق حالة التحام جديدة لا يستطيع الطفل فيها أن يقول “أنا” أو “لا” لأنّه في موقع المسيطر عليه وبذلك يفقد كل استقلاليته ويصبح عبارة عن عبد لجهاز التلفاز.
8. قتل الإحساس جرّاء مشاهدة برامج العنف:
من بين الطرق التأثيريّة الأخرى لوسائل الإعلام على سلوك الأفراد والجماعات هو قتل الإحساس تجاه الآخرين، خاصة في حالة برامج العنف التي أصبحت اليوم تطغى بشكل بارز في بعض البرامج التلفزيّونية وخاصة المخصّصة منها للأطفال، فحسب دراسة إحصائيّة أوّليّة أجريت خلال عامي 2004- 2005 لأكثر القنوات التلفزيّونية جاذبيّة من طرف الأطفال وهي قناة (Space Toon) سجّلت نسبة تجاوزت الـ80% من البرامج التي تتضمّن أعمال عنف وحروبا. وتقريبا نفس النسبة أي 87.38% في برامج روتانا سينما، وعلى نفس المنوال تسير قناة ميلودي أفلام… “وحسب دراسة أمريكيّة قامت بها ميديا سكوب Médiascope يتّضح أن 75% من أعمال العنف على الشاشة لا يعاقب أصحابها عليها. والأسوأ من ذلك أنّ فاعليها لا يهمّ إن كانوا شخصيات إيجابيّة أو سلبيّة في الشريط . ففي عام 1990 وجدت أحد الجمعيّات الوطنيّة لثقافة الصغار أنّ الأطفال الذين تعوّدوا على رؤية برامج العنف أصبحوا أقلّ إحساسا بألم الآخرين، وقتل الإحساس يمكن يترجمه الطفل عبر سلوكيات مختلفة ومتطوّرة ومتصاعدة، إذ تبدأ باستعمالات اللفظيّة العنفية، ثم في مرحلة ثانيّة تتجه نحو الألعاب التي بحوزته أو بحوزة غيره، وتتطوّر شيئا فشيء لتنتقل إلى الواقع الفعلي مع بقية الأطفال. إضافة للطرق المذكورة في كيفيّة تأثير وسائل الإعلام على المتقبّلين، قدّم لنا عالم الوظائف النفسيّة توماس مولهولاند دراسة أجراها بمستشفى بيدفورد بالولايات المتّحدة، على المشاهدين الصغار عن طريق مسجّل لموجات الدماغ، فوجد أنّ الموجات من نوع “ألفا” هي الغالبة في الرسم الدماغي وهي أيضا الموجات الغالبة في حالة الاسترخاء (حيث لا نفكّر في شيء !).
ففي هذه الحالة يكون الطفل أكثر عرضة للتأثر بما يعرض على شاشة التلفاز، وتنعدم لديه القدرة على المقاومة أو التمييز بين ما يحمله من قيم ومبادئ وبين ما يعرض عليه. ولهذا نتائج عدّة:
أوّلا، وكما أكّده عالم فسيولوجيا الأعصاب البريطاني نورمان ديكسون أنّ الاستعداد لقبول الاقتراحات في هذه الحالة من الارتخاء النفسي والحسّي – التي هي بين اليقظة والنعاس- هي أكثر أهميّة من حالة اليقظة..
ثانيا، تزيد هذه الحالة من قابليّة ما يعرفه علماء النفس بسيكولوجيا الإعجاب الثانوي. التي تتم فيها – إلى درجة ما- العزلة الحسيّة بوساطة تركيز الحواس على شيء ثابت (مثل جهاز التلفزيون).
رابعا: نماذج مسجّلة عن التأثير المباشر لوسائل الإعلام على السلوك الإجرامي:
سجّل العديد من الباحثين أمثلة حيّة للتأثير السلبي لوسائل الإعلام على السلوك الإجرامي، وكيفيّة استلهام فكرة الإجرام أو طرق تنفيذ العمليات الإجراميّة من أحدى وسائل الإعلام.
ففي ألمانيا مثلا ”ذبح السفّاح الألماني المشهور هايتريش” أوّل ضحاياه في أحدى الحدائق، وكان قد خرج لتوّه من دار السينما حيث شاهد فيلما يدعى “الوصايا العشر” ورأى النساء اليهوديات يرقصن حول “العجل الذهبي” فقرّر أنّ النساء هنّ الشرّ في العالم وخرج ليذبح المرأة المسكينة ليطهّر العالم في نظره من مصادر الشرّ”. وبنفس الفكرة والطريقة التي تضمنها الشريط المذكور.
وفي مصر سجّل المختصون والباحثون العديد من الحالات التي استوحى فيها الجاني جريمته من الوسائل الإعلاميّة، فلقد ألقت الشرطة القبض على مجموعة من الشباب الذين احترفوا السلب والنهب، أكّدوا استلهامهم الفكرة من فيلم “أحنا التلامذة” بطولة شكري سرحان وأحمد رمزي.
وفي نفس السياق وأثناء التحقيق مع أحدى الفتيات التي تمكّنت من السطو على أكثر من مليون جنيه. اعترفت بأنّها استوحت الفكرة من البرنامج الإذاعي “أجراس الخطر”، وبلغت المفاجأة ذروتها حينما اعترف لصوص سيّارات البنك التي كانت تحمل مليونين من الجنيهات ومثلهما من الدولارات بأنهم استوحوا الفكرة من فيلم “المشبوه” لعادل إمام…
كما اعترف أحد النزلاء بالسجون المصريّة والمتّهم في سلسلة من الجرائم على الأشخاص والأملاك أنّه استوحى طرق تنفيذ عملياته الإجراميّة من فيلم “بطل النهاية” لفريد شوقي.
وفي الأردن شأننا شأن العالم فكثيرا ما يتم ارتكاب الجرائم من خلال التأثر بالإعلام بعموميته والأمثلة كثيرة ولا يتسع المجال لذكرها.
خامسا: الإعلام بين مقولة الحريّة والمحدّدات القانونيّة:
لقد كثرت الاتهامات الموجهة لوسائل الإعلام والعلاقة التي تربطها بالظواهر الإجراميّة وتأكيد بعض الدراسات بأنّ نشر أنباء الجرائم والأحداث الإجراميّة بأسلوب مثير من شأنه أن يوقظ لدى المتقبّل وخاصة الفئات الشبابيّة “دوافع كامنة، وتحرّك فيهم غرائز مختلفة ممّا يدفعهم إلى ارتكاب الجرائم.
وفي المقابل يرى البعض أن الخطر لا يكمن في نشر أخبار الجرائم والمحاكم، وجعلها مادة إخباريّة، وبما أنّها تحتوي ضمن جملة ما يحدث في المجتمع، وبما أن وسائل الإعلام هي عبارة عن مرآة حقيقيّة للمجتمع، لذلك لا مانع في أن تكون الجرائم وكوارث المجتمع من بين المواد الأساسيّة لهذه الوسائل، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في كيفيّة صياغة وتناول الأخبار الإجراميّة، وإنّ الخطر الأكبر في نظرنا ليس في نشر الجريمة وإنّما في طريقة عرضها والأسلوب الذي تكتب به والصور الفوتوغرافيّة التي تصاحبها… إنّ من حق الصحافة أن تصوّر شرور المجتمع ولكن من واجبها أيضا أن تحمي المجتمع والشباب من أضرار النشر القائم على الإثارة والتشهير. ولأجل ذلك فرضت العديد من الدول قيودا قانونيّة ترافقها عقوبات زجريّة على كل وسائل الإعلام بما فيها الصحف والتلفاز وقاعات السينما، إثر الانتقادات التي وجّهت لوسائل الإعلام.. وإن أهميّة العناية بوسائل الإعلام تتمثل في العلاقة التي تربط المؤسسات الإعلاميّة بالمؤسسات الأمنيّة بالدول. لأنّ بعض ما يعرض أو ينشر أو يذاع يترك تأثيرا سلبيّا خطيرا على تربيّة النشء وعلى الأمن وسلامة المجتمع، لذا يصبح من المناسب إحاطة الأجهزة المسؤولة عن الرقابة بأبعاد وأخطار هذه الاتجاهات، والتعاون معها على تقديم الصورة التي تسهم في بناء المجتمع بناء سليما .
ولكنّ القيود القانونيّة تبقى محدودة، إذ أغلبها تقتصر إمّا على إلزام الصحيفة مثلا بعدم ذكر اسم الجاني أو المجني عليه، أو تحديد سنّ المتّهم الذي لا يجب ذكره في التغطيّة الإعلاميّة للأحداث الإجراميّة، أو منع استعمال آلات التسجيل والتصوير في قاعات المحاكم.
سادسا: أهم الدراسات العلميّة التي تناولت علاقة الظاهرة الإجراميّة بالمؤسسة الإعلاميّة:
نظرا للعلاقة القائمة بين وسائل الإعلام والظواهر الإجراميّة أجرى العديد من الباحثين دراسات ميدانيّة وإحصائيات هامة حول قوّة العلاقة بينهما، فمثلا في إحصائية نشرت على الانترنت من مجموعة الأفلام التي تعرض على الأطفال عالميّا وجد أنّ:
- 29.6 % منها تتناول موضوعات جنسيّة.
- 27.4 % منها تتناول مواضيع الجريمة.
- 15 % منها حول الحبّ بمعناه الشهواني المكشوف.
كما توصّل أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة كاليفورنيا “رودريك جورني” في دراسته حول العلاقة بين العنف ووسائل الإعلام “إلى أنّ الأشخاص الذين يشاهدون نسبة كبيرة من برامج العنف يميلون بالفعل إلى العنف في سلوكهم، بينما يميل مشاهدو البرامج الاجتماعيّة والإنسانية إلى سلوك أكثر اتزانا.
وتؤكّد إحصائيّات اليونسكو خطورة انتشار ظاهرة الإدمان على التلفاز، “ففي دراسة أجرتها اليونسكو مؤخّرا حول معدّلات التعرّض للتلفزيون لدى الأطفال والصبية العرب، تبيّن منها أن الطالب قبل أن يبلغ الثامنة عشر من عمره يقضي أمام التلفزيون اثنين وعشرين ألف (22000) ساعة، في حين أنّه في هذه المرحلة من العمر يقضي أربعة عشر ألف (14000) ساعة في قاعات الدرس.
كل هذه التجارب البحثيّة والدراسات العلميّة المهتمة بقضيّة العلاقة بين وسائل الإعلام والظواهر الاجتماعيّة وخاصة الإجراميّة، تجعلنا وتؤكد لنا الدور والرابط الهام بين الإعلام والجريمة وإنّ الإعلام بحاجة لمزيد من الاهتمام والتشاركية مع منظمات المجتمع المحلي والمؤسسات الأخرى لتأسيس وتدعيم التخصّصات العلميّة القادرة على تقديم إضافة في هذا الموضوع الحيوي والهام.
بعد هذا العرض نلاحظ أن هناك دورا مهما للإعلام في الحد من الجريمة وذلك بدراسة ما يعرض على شاشات التلفاز وما يهمنا بالأردن أن يكون إعلامنا إعلاما هادفا موجها مساعدا للأسرة في التنشئة الأسرية من خلال الوسائل الإعلامية المختلفة.
